المقريزي
15
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
وعصر في يوم الأحد سابع عشري صفر حتى أشهد عليه أنه رجع عما وقفه على أولاده وجعل ذلك وقفا على أولاد السّلطان الملك المؤيّد شيخ ، ثم منع منه خدمه في يوم الأربعاء أول شهر ربيع الأول فوجد في بكرة يوم الأحد خامس ربيع الأول سنة ست عشرة وثماني مائة ميّتا وقد خنق وعرّي من ثيابه ، فلفّ في كساء من ثياب الأكفانيين وحمل في تابوت بغير غسل ولا كفن ولا تابع يتبع تابوته سوى جارية من جواريه تصيح خلفه ، وحمّالوا تابوته يقولون : يا غرباء كلّموا اللّه ترحّموا على فتح اللّه كاتب السّرّ ، حتى أوصلوه إلى تربته خارج باب البرقية ، فغسّل وكفّن ودفن بها : فما تزوّد مما كان يجمعه * إلا حنوطا غداة البين مع خرق وغير نفخة أعواد تشدّ له * وقلّ ذلك من زاد لمنطلق وكان من خير أهل زمانه رصانة عقل وديانة وطيب مقال وتألّها وتنسّكا ومحبّة لسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وانقيادا إلى العمل بها ومحبّة أهلها ، مع حسن السفارة بين الناس وبين السّلطان والصّبر وكثرة الاحتمال والتّؤدة وجودة الحافظة ، إلا أنه كان جبانا مسيكا يشحّ بالنّزر اليسير من المال والقدر القليل من الجاه ويكتم الشّرّ في نفسه ولا يكاد يبديه مع تذكّر الإساءة إليه ، وكانت له فضائل جمّة غطّاها شحّه واختلق أعداؤه عليه معايب قد برّأه اللّه منها ، وحسابه وحسابهم على اللّه الذي لا يخفى عليه شيء ، فإني صحبته زيادة على ثلاثين سنة في خموله ورفعته وسفارته وإقامته فما علمت إلا ما قلت لك عنه ، وإني لأرجو أن يكون ما أصيب به في نفسه وماله كفّارة لما اقترفه من الذّنوب ، تغمّده اللّه برحمته . أخبرني رحمه اللّه عن عمّه بديع بن نفيس أنه شاهد عدّة مرار بمدينة بغداد امرأة يقال ( لها ) « 1 » فاطمة بنت النّجم ساحرة تركب زيرا من الفخّار تعلو به في الهواء وتمرّ سائرة وهو وغيره يراها فوق الزّير حتى تغيب عن
--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين زيادة منا لا بد منها .